أحمد بن محمد المقري التلمساني

36

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

هكذا هكذا يكون التعامي * هكذا هكذا يكون الغرور يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ [ سورة يس ، الآية : 30 ] وما عدا ، عمّا بدا « 1 » ؟ ورسولكم الحريص عليكم الرؤوف الرحيم يقول لكم « الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والأحمق من أتبع نفسه هواها ، وتمنّى على اللّه الأماني » فعلام بعد هذا المعوّل ؟ وما ذا يتأوّل ؟ اتقوا اللّه سبحانه في نفوسكم وانصحوها ، واغتنموا فرص الحياة واربحوها أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ [ سورة الزمر ، الآية : 56 ] وتنادي أخرى هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ [ سورة الشورى ، الآية : 44 ] ونستغيث أخرى : يا ليتنا نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ [ سورة الأعراف ، الآية : 53 ] ، وتقول أخرى رَبِّ ارْجِعُونِ [ سورة المؤمنون ، الآية : 99 ] فرحم اللّه من نظر لنفسه ، قبل غروب شمسه ، وقدّم لغده من أمسه ، وعلم أنّ الحياة تجرّ إلى الموت ، والغفلة تقود إلى الفوت ، والصحة مركب الألم ، والشبيبة سفينة تقطع إلى ساحل الهرم . وإن شاء قال بعد الخطبة : إخواني ، ما هذا التواني ، والكلف بالوجود الفاني عن الدائم الباقي والدهر يقطع الأماني ، وهاذم اللّذّات قد شرع في نقض المباني ؟ ألا معتبر في عالم هذه المعاني ؟ ألا مرتحل عن مغابن هذه المغاني ؟ : [ الطويل ] ألا أذن تصغي إليّ سميعة * أحدّثها بالصدق ما صنع الموت مددت لكم صوتي فأوّاه حسرة * على ما بدا منكم فلم يسمع الصوت هو القدر الآتي على كلّ أمّة * فتوبوا سراعا قبل أن يقع الفوت يا كلفا بما لا يدوم ، يا مفتونا بغرور الوجود المعدوم ، يا صريع جدار الأجل المهدوم ، يا مشتغلا ببنيان الطرق قد ظهر المناخ وقرب القدوم ، يا غريقا في بحار الأمل ما عساك تعوم ، يا معلّل الطعام والشراب ولمع السراب « 2 » ، لا بدّ أن تهجر المشروب وتترك المطعوم . دخل سارق الأجل بيت عمرك فسلب النشاط وأنت تنظر ، وطوى البساط وأنت تكرب ، واقتلع جواهر الجوارح وقد وقع بك النهب ، ولم يبق إلّا أن يجعل الوسادة على أنفك ويقعد : [ المجتث ] لو خفّف الوجد عني * دعوت طالب ثاري

--> ( 1 ) وما عدا عما بدا : أي ما جعلك تجاوز ما ظهر لك ؟ وما ذا تخفي ؟ . ( 2 ) السراب ما يظهر لامعا نصف النهار فيبدو من بعيد كأنه ماء . وفي التنزيل العزيز أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً [ النور : 39 ] .